الشيخ محمد الخضري بك

77

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

الثاني : الاعتقاد بالبعث والنشور وأنّ هناك يوما ثانيا للإنسان يجازى فيه على ما صنعه في الدنيا إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وعلى هذين الأمرين جاء غالب الآي المكية ، فقلّما نرى سورة من سور مكّة إلّا مشحونة بالاستدلال عليهما وتوبيخ من تركهما ، وكل ذلك بأساليب تأخذ بالعقل ، وبراهين لا تحتاج لفلسفة الذين يشغلون أنفسهم بما لا طائل تحته مما يضيع الوقت سدى . ونزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة من القران معظمه ، وهو ما عدا ثلاثا وعشرين سورة منه ، وهي : البقرة ، آل عمران ، النساء ، المائدة ، الأنفال ، التوبة ، الحجّ ، النور ، الأحزاب ، القتال « 1 » ، الفتح ، الحجرات ، الحديد ، المجادلة ، الحشر ، الممتحنة ، الصف ، الجمعة ، المنافقون ، التغابن ، الطلاق ، التحريم ، النصر ، هذه كلها مدنية وباقي القران مكي . ولما نزل عليه الصلاة والسلام بقباء ، نزل على شيخ بني عمرو كلثوم بن الهدم « 2 » وكان يجلس للناس ويتحدّث لهم في بيت سعد بن خيثمة « 3 » لأنه كان عزبا ونزل أبو بكر بالسّنح - محلة بالمدينة - على خارجة بن زيد « 4 » من بني الحارث من الخزرج . مسجد قباء وأقام رسول اللّه بقباء ليالي « 5 » أسس فيها مسجد قباء الذي وصفه اللّه بأنه مسجد أسس على التقوى من أول يوم « 6 » ، وصلّى فيه عليه الصلاة والسلام بمن

--> ( 1 ) سورة محمد . ( 2 ) يعرف بصاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان شيخا كبيرا أسلم قبل وصول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة ، وأقام عنده أربعة أيام ، وتوفي قبل بدر بيسير ، ولم يدرك شيئا من المشاهد وهو أول من مات من الأنصار بعد قدوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان يقال لبيته بيت الأعزب . ( 3 ) الأنصاري الأوسي - يكنى أبا خيثمة وكان أحد النقباء بالعقبة وقد شهد بدرا واستشهد فيها . ( 4 ) هو ممن شهد بدرا ، وقتل يوم أحد ، وهو صهر أبي بكر الصديق ، ويقال : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اخى بينه وبين أبي بكر . ( 5 ) قال ابن إسحاق : أقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجده ثم أخرجه اللّه من بين أظهرهم يوم الجمعة . وقد أخرج عبد الرزاق والنجار عن ابن عباس الذي بنى فيهم المسجد الذي أسس على التقوى هم بنو عمرو بن عوف . ولكن ورد في مسلم وأحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري أنه مسجد المدينة . وبهذا جزم الإمام مالك . ( 6 ) هو أوّل الذين عرفته الإسلام ، وعبد فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ربه امنا ، وابتدأ بناء المسجد ، فوافق رأي الصحابة ابتداء التاريخ من ذلك اليوم ، وفهمنا من فعلهم أن قوله تعالى من أول يوم أنه أول أيام التاريخ الإسلامي . كذا قال السهيلي ، ويعقب الحافظ على هذا بقوله : والمتبادر أن معنى قوله من أول يوم أي دخل فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأصحابه المدنية واللّه أعلم .